قصة الجرذ
قبعت طوي ً لا في الزنزانة المنفردة، حتى بات لي في كل ذرة غبار وعرق منها قصة
حزن وقنوط...
كنت لأهرب من الظلام ألجًا الى الذكريات الحلوة والأليمة، غريب كيف ان الظلمة تبعث فينا
الماضي.
في هذا الوقت، نما بين السجان وبيني نوع من الألفة، او قل التعاطف الإنساني. فصار يسمح
لي بالإستحمام بعدما وعدته بغسل بيجامته. ، كما ذكرت آنفا ، وقد تكرم عل ي في ساعات
دوامه بملعقة آكل فيها طعامي.
بينما كنت في إحدى المرات، أتحسس الحائط وأمسحه، وجدت فيه حفرة صغيرة لا يتجاوز
قطرها استدارة السبابة... كم تنمنيت لو أستطع الخروج منها.
من كثرة الضجر صرت أستعمل الملعقة لتوسيع الحفرة في أسفل جدار الزنزانة، فيمضي
الوقت وقصص الجدار الحزين، ومآسي من مروا به تتآكلها ملعقتي، وانا أكافح كي لا يقتلني
السأم واليأس... توسعت الحفرة حتى اصبحت ثلاثة من اصابعي تدخلها. وفي ليلة سمعت
صوت خربشة في الغرفة.
كنت نائمًا.. مددت يدي ، اتلمس الظلمة علني اعرف من اين اتى هذا الصوت فإذا بها تلمس
جرذًا.
هرب هو! وجفلت أنا !
عاد بعد حين وهرب من جديد. تخيلت لو أستطع أن ابني علاقة صداقه معه تساألت كيف
؟وما هي؟ آه قد وجدتها . كنت أعرف أن الفئران والجرذان تحب البيض والجبن. فقررت
التخلي عن حصتي اليومية منها لصالح رفيقي الجديد ومؤنسي في وحدتي
بعد نحو أربعة أيام، عاد الجرذ من الحفرة ذاتها في الجدار. واقترب من يدي، سرق قطعة
البيض ثم هب راح ً لا. كانت حصتي من الجبنة البيضاء توازي ثلث قطعة ال"بيكون". وقد
ٌ خيل إلي أني لو أكرمت صديقي بحصتي اليومية من الجبنة فلن يخذلني ابدا سيعود.
خبأت قطعة الجبن داخل الحفرة الصغيرة، ملفوفة بقطعة نايلون، عل رائحتها تجذب الجرذ.
وبالفعل صحوت في احد الايام عليه وهو يحاول سحب القطعة. ففتحت النايلون وأمسكت
بالجبنة بين إبهامي والسبابة... إقترب فشعرت بلسانه يلحس اصابعي.
كان صغيرًا، وقدرت اني اول بشري يطعمه وجبة محترمة، وضعت يدي على رأسه فلم يحرك
ساكنًا ولا حاول الهرب. فركت حاجبيه، فشرع يلحس راحة يدي وكأنه يقول لي : "ولا يهمك
يا علي، عيش، أنا زميلك الجديد". شكرته بصوت عال كأنني احف ٌ ظه صوتي.
نما بيننا نوع من الثقة فبات يأتيني كل يوم طلبًا لحصته من البيض والجبن، ويبادلني الجميل
فيسمح لي بمداعبته ساعات.
سررت في قرارة نفسي لأنه لم يحب اللبنة، فلا انا اموت من الجوع، ولا هو. كنا شريكين في
الظلمة والجوع وانقطاع الهواء.والخوف من الشرطة العسكرية والسجانين .
إستمرت صداقتنا لنحو اربعة اشهر، قضيتها كلها في السجن الانفرادي، كنت احدثه قائلا أنت
يا صديقي حر تقدر ان تخرج الى الحرية أرجوك اذهب الى حاصبيا ادخل منزلي
وأخبر زوجتي انني ما زلت على قيد الحياة ، قل لأولادي انني احبهم وانني افكر بهم
ولن انساهم مهما حصل . قل لعائلتي ان تذهب الى الزعيم وليد جنبلاط عًلله يستطع
مساعدتي رغم كره السوريين له ... أخرج الآن يا صديقي ، تركني بعد أن عض يدي
مداعبا وربما فهم عل ي وهزأ مني ومن أقوالي وخرج .
ذات يوم قرر المسؤولون التكرم علينا بثلث ساعة تحت نور الشمس، فيتسنى لهم معاينة
الزنازين التسعة عشرة.
كنا ممنوعين من الكلام ونحن تحت قرص الشمس. حتى النور كان مغموسًا بالذل والإحتقار،
فنضرب اذا رفعنا رؤوسنا كي لا يتعرف أحدنا الى الآخر. أص ً لا كان مستحي ً لا ان نعرف
بعضنا،
بعدما غير طول شعرنا ولحانا معالمنا تماما.
.19...14 ،12...3 2 ، كنا نعود الى الزنازين وفق تسلسل رقمي، فيصيح الحارس: 1
توالت الارقام، ولم يناديني أحد. أبقوني حتى النهاية، ولم أعرف لماذا ...
بدأت أخاف...
إتهموني بحفر الغرفة للهرب. وقلت كيف لي ان اهرب من ثقب صغير . قالوا ربما
تحولت الى جرذ يوما ما فتهرب . حاولت الإنكار بأنني لست من ثقب الحائط ،فضربوني.
عندما دخلت الزنزانة وجدت الحفرة مغلقة. خسرت أعز صديق لي، وأقرب كائن إلى الإنسانية
عرفته منذ تاريخ إعتقالي. لم أستطع ان ابني صداقة مع أحد من السجانين وها انا بنيتها مع
جرذ بدل عنهم . كأن الموت لم يكن يكفيهم، صار علي أن أموت وحيدًا... وحيدًا دونما دفئ
الجرذ الذي كان يجلس في حضني ليطرد من زنزانتي شياطين الخوف والوحدة.
لعنة الله عليهم.